ابن ميثم البحراني
339
شرح نهج البلاغة
في مصنوعاته على درجات ومنازل متفاوتة كما أشرنا إليه غير مرّة . وقوله : وأشهد أنّ من شبّهك . إلى قوله : بربّ العالمين . التفات إلى خطاب اللَّه تعالى على طريق قوله « مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ » والمشبّه به في الحقيقة هو الخلق وإنّما جعل المشبّه به هو تباين أعضائهم وتلاحم حقاق مفاصلهم لأنّه في معرض ذمّ المشبّهة والتنبيه على وجوه أغلاطهم وتباين الأعضاء وتلاحمها من لوازم المشبّه به وهما مستلزمان للتركيب واجتماع المفردات المستلزم لظهور الحاجة إلى المركَّب والجامع ويمتنع على محلّ يظهر حاجته أن يتشبّه به الصانع المطلق البريء عن الحاجة بوجه ما فقدّمهما لجريانهما مجرى الأوسط في لزوم التركيب للمشبّه به فيظهر تنزيه الإله عن التشبّه به وإن كان التقدير من شبّهك بخلقك في أعضائهم المتباينة المتلاحمة . والَّذي يقال من وجه الحكمة في احتجاب المفاصل هو أنّها لو خلقت ظاهرة عريّة عن الأغشية ليبست رباطاتها وقست فيتعذّر تصرّف الحيوان بها كما هو الآن وأنّها كانت معرضة للآفات المفسدة لها وغير ذلك من خفىّ تدبيره ولطيف حكمته وقد شهد عليه السّلام على المشبّه للَّه بخلقه بأمرين : أحدهما : أنّه لم يعرفه ، والثاني : أنّه لم يتيقّن تنزيهه عن المثل . والقرآن والبرهان مصدّقان لشهادته في الموضعين : أمّا القرآن فما نبّه عليه بقوله : وكأنّه لم يسمع تبرّؤ التابعين المتبوعين إذ يقولون الآية ، ووجه الاستدلال على المطلوب الأوّل أنّ المشبّهة وعبدة الأصنام ينكشف لهم في الآخرة أنّهم كانوا ضالَّين في تشبيه أصنامهم بربّ العالمين فيترتّب دليل هكذا : المشبّهة ضالَّون من جهة تشبيههم اللَّه بخلقه وكلّ من كان كذلك فليس بعارف باللَّه والمقدّمة الأولى ثابتة بمنطوق الآية ، وأمّا الثانية فلأنّه لو كان المشبّه له عارفا به مع تشبيهه له بخلقه لما كان في ضلال مبين من تلك الجهة لكنّه في ضلال مبين من تلك الجهة فإذن هو ليس بعارف له . وأمّا البرهان فلأنّ اللَّه سبحانه لمّا تقدّس عن أن يشبه خلقا في شيء كان المشبّه له بخلقة والمكيّف له بكيفيّة يحويها وهمه غير عارف به بل متصوّر لأمر آخر هو في الحقيقة غير الإله ، وأمّا صدقه في القضيّة الثانية فلأنّ المشبّه للَّه ضالّ من جهة ما هو مشبّه له وكلّ من كان كذلك فليس بمنزّه له عن الندّ والمثل ، وصدق الأولى ظاهر من الآية ، وأمّا